- خليك قوي واجمد وإياك تضعف.. لا تريهم دمعتك.. نحن أقوياء.. نحن الأعلى.. إحنا على الحق.
- أصارحك: لست قوياً، ولا أملك من مقومات القوة سوى إيماني بالحق، وثباتي عليه. غير ذلك، فأنا ضعيف مقارنة بالطرف الآخر، واعتذر لك؛ فسيرى دمعتى.. بل ويجب أن يراها هو والجميع وحتى هؤلاء الذين سكنوا القبور من أجل حريتنا وحياتنا وكرامتنا.
هذه رسالة أتوجه بها قُبيل أيام من حلول ذكرى كربلاء مصر أو هولوكوست رابعة إلى الثوار العاملين في الإعلام والمسؤولين عن توجيه وتشكيل الوعي الثوري.
لدى البعض منهم سذاجة بطعم التفلسف، وفكرة مفادها أن خطاب البكائيات، والمظلومية، ويسمونها "كربلائيات" -نسبة لما تفعله طائفة الشيعة في ذكرى مقتل الإمام الحسين رضى الله عنه- يجب ألا يكون ذلك في إطار الثورة؛ لأن الضعيف المظلوم البَكَّاء لا يصنع ثورة.
خطورة هذا النمط من التفكير تكمن في أن الفرد الذي يظن أنه ثائر هو بالحقيقة يعمل لدى الثورة المضادة والانقلاب، لكن للأسف من دون راتب، بل ويدفع من ماله الخاص!
كثيراً ما تكون المثاليات مجرد خدعة وطُعم يبتلعه السُذج وعديمو المعرفة والدراية بحقيقة المعركة والميدان.
سريعاً، بعد ثورة يناير/كانون الثاني، تعامل الثوار مع العسكر -وهم جزء من المنظومة التي ثاروا عليها- كشريك ثوري تحت فكرة المحافظة على مؤسسات الدولة وخشية انهيارها.
تم العدول عن محاكمة مبارك ثورياً؛ حتى لا يقولوا إنها ثورة همجية غير ملتزمة بالقانون، ولن نستطيع استرداد الأموال المنهوبة من الغرب.
وقد التقيت شخصياً أحد الإخوان التنظيميين قُبيل انتخابات البرلمان بعد حله، وقد قرر عدم انتخاب مرشح "الحرية والعدالة"؛ بحجة أن الرئيس من الإخوان، ويجب أن نختار تيارات أخرى لإحداث توازن في النظام السياسي، وكأن النظام السياسي المصري قد استقر وأمِن التربص العسكري وأمِن نزاهة الطرف الثاني وأصبح في حاجة لإحداث ما سماه "توازناً"، وخرج في مظاهرات ضد مرسي وأسهم في الإعداد لها، في وقت كان الرئيس في أمَس الحاجة لأي دعم شعبي؛ بحجة "حتى لا نصنع ديكتاتوراً جديداً"!
وأنا أشهد على صدقه ووفائه وإخلاصه.. لكنه ساذج أو أحمق.
الأهداف والغايات جميلة، ومثالية، لكن الميدان ليس ميدانها، لا زماناً، ولا مكاناً.
اليوم، أمثال هؤلاء الفلاسفة يريدون من الثورة أن تتنازل عن أكبر وأغلى ثمن دفعته؛ وهو دماء أبنائها الذين قُتلوا وأُحرقوا وهم أحياء على الهواء مباشرة أمام العالم، وجَرَّفت جثثهم الآليات العسكرية؛ بحجة أن هذا خطاب مظلومية لا يسمعه العالم، والناس دائماً ما تكون مع القوي، وليس الضعيف.
إليك نموذجاً من التاريخ الحديث، وبالمصادفة، فذكراه تعقب ذكرى رابعة بيوم واحد وهو يوم ١٥ أغسطس/آب، قتل الألمان ملايين البشر وحتى من عِرقهم؛ لأنهم عجزة أو من الغجر، كما قُتل 200.000 معاق ذهنياً أو جسدياً في برنامج "القتل الرحيم".
إلا أن بضعة آلاف من اليهود استطاعوا أن يجلبوا تعاطف العالم، ويَسنُّوا تشريعات تقدِّس حقهم. ويتلقى الكيان الصهيوني حتى اليوم تعويضات عنها، وكانت ورقة الهولوكوست إحدى أهم دعائم قيام دولة ذلك الكيان.
حتى كربلاء التي يذكرها ساخراً هذا الفيلسوف، أريد منه أن يُوجد الفوارق بين مجزرة فض اعتصام رابعة ومجزرة فض اعتصام الحسين في كربلاء، كلاهما أُمطر بوابل من السهام والرصاص وأُحرقت خيامهم، ومُثِّل بالجثث وقُتل النساء والأطفال. لكن فارقاً واحداً، فقط، بين الميدانين -كربلاء ورابعة- هو أن أهل كربلاء كانوا مسلحين، أما أنت فكنت أعزل، ولولا كربلاء ما كان للعباسيين لا ثورة ولا دولة.
وإليك نماذج أنت عشتها بنفسك، فقد خرجوا عليك يبررون قتلك بدعوى أن مرسي قتل جيكا ومحمد الجندي، وأن مرسي قتل الحسيني أبو ضيف، وأن مرسي قتل جنود رفح، وأن مرسي ظلم الشعب و"خد البنزين وداه غزة"، فهم قتلوا وظلموا واتهموك أنت بالقتل، وصنعوا مظلومية لهم عندك، ليذبحوك بلا رحمة.
بنظرة براغماتية، كيف تقرر التنازل عن أكثر أوراقك ربحية سياسياً (محلياً ودولياً)، وقد لا تملك في تقديري غيرها، فليس لك منافس؟! حتى في تاريخ مصر لم نسمع عن فريق سياسي قدم كل هذه التضحيات أكثر من 10 آلاف شهيد، نصفهم خلال 12 ساعة في مجزرة شاهدها العالم مُصورةً ومُوثقةً، وأكثر من 150 ألف معتقل، وأضعافهم بين طريد وشريد، وعشرات الآلاف من الأيتام والأرامل والمصادرات لأموال وقطع للأرزاق. كيف تخسر هذه الورقة الرابحة؟! وأنت تقول إن لديك مشروعاً سياسياً يحتاج إلى أوراق للعب بها، ومظلوميتك لا تُخطئها عين أعدائك قبل أصدقائك!
كيف تتطوع وتُمزق صفحة تضحياتك التي دخلت بها التاريخ بنفسك وبيدك وتخسرها؟! ومن سيروي لأولادك وأحفادك مِن بعدك حجم ما بذلته من أجل الدين والوطن والحرية والكرامة؟!
أقول لك، ولعلك الآن تُطالع هذه الرسالة من خلال هاتفك: ماذا لو وصلني، أو علمت أنك لن تصرخ وتصيح بين الناس وتستغيث بهم؟ إن سرقتُ منك هاتفك هل ستسكت وتمررها؛ حتى لا يقول عنك الناس: "انضحك عليه واتسرق منه تليفونه"؟ أم يقولون: "ضعيف ما استطاع أن يحمي هاتفه"؟! سأكون في غاية السعادة عندما تفعل معي هذا ولا تفضحني وتنشر عني أني سارق وحرامي سرقت منك هاتفك.
هكذا يا سيدي، القاتل يقدم له ضحاياه هدية وخدمة عندما لا يكون لهم نائح أونائحة ينادي على قاتله والقصاص منه.
حتى خطابك الذي تصفه أو تظنه ثورياً، يحتاج إلى مساندة وظهير من خطاب المظلومية، وإلا فكيف ستُشرعِن وتبرر عملك الثوري ورغبتك في القصاص من القاتل؟ إن لم تكن قد ملأت الدنيا بكاءً ونحيباً وعويلاً على القاتل وعن ظلمه لك، وحقك في القصاص منه.
عمليات المقاومة ضد الظالمين تحتاج إلى أن يتم تسويقها ونشرها إلى جانب معاني العزة والكرامة والشجاعة والإقدام والفداء ومعنى الثأر والمظلومية، يعني حتى خطاب الثورية والثأر يحتاج لشرعية تخرج من رحم المظلومية.
الرسول ﷺ هو القدوة أولاً وأخيراً، عندما تتتبَّع أحداث سيرته، تجد الذكاء والمعرفة، والاحتراف في إدارة الأزمات، والملفات المختلفة، وعلى رأسها الملف الإعلامي.
كيف أدار النبي محمد ﷺ الحملة الإعلامية ضد كفار قريش الظالمين؟ وكيف استثمر خطاب المظلومية في أزمة حصار المسلمين في شِعب أبي طالب؟ وأبرز مشاهد الجوع والعوز والهلكة التي تلحق بالصغار والنساء، واعتمد على المعاني المشتركة كالنجدة والشهامة والمروءة والغوث والقبيلة والعار، وكل المعاني التي تقبِّح فعل قريش مع شِعب أبي طالب، وتستثير شفقة وعطف العرب وأهل الجزيرة، ومن يملك أن يرفع هذا الظلم.
فساهمت هذه الحملة في أن يعمل بعض من تأثروا بها لترجمة التعاطف معهم؛ للعمل من خلال إيصال بعض الأطعمة والمؤن والزاد للمحاصَرين في الشِّعب، ولو أن المشركين علموا بها لقتلوه حتماً؛ لأنهم لم يكونوا ليسمحوا لأحد بخرق الحصار وإمداد المسلمين بالطعام والزاد.
وجذبت الحملة الإعلامية النبوية التي اعتمدت خطاب المظلومية عدداً من المتعاطفين من الكفار أنفسهم، أي إنها اخترقت صفوف العدو، وهو ما يُسمى اليوم "الغزو الثقافي والفكري".
وتُوجت الحملة بتكتيكات إعلامية بدأت بتسريب معلومات سرية خرجت في شكل خبر عاجل من أبي طالب للكفار بأن الأَرضة قد أكلت كل ما في صحيفة المشركين من بنود، ولم يبق فيها إلا اسم الله عز وجل.
وهنا تحرك عدد ممن تأثروا بخطاب المظلومية، من عقلاء قريش، على نقض هذه الصحيفة وهم: هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وزهير بن أبي أمية المخزومي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، والمطعم بن عدي.
سيدي الإعلامي الثوري، أتمنى أن تجعل من يوم 14 أغسطس من كل عام يوماً للحزن والبكاء والكربلائية في كل بيت من بيوت مصر؛ لأنه حقاً يستحق هذا.
وليكن السؤال: هل نحن نتعامل مع كربلائنا انطلاقاً من الماضي للمستقبل؟ أم فقط بكاء على الأطلال؟!
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نعثر على إجابته الصحيحة..
وإجابته الصحيحة: نبكي شهداءنا ونستحضر أرواحهم الطاهرة، ليس لأجل لطم الخدود وشق الجيوب؛ وإنما لأجل معركتنا النبيلة ضد الظلم والطغيان..
- أصارحك: لست قوياً، ولا أملك من مقومات القوة سوى إيماني بالحق، وثباتي عليه. غير ذلك، فأنا ضعيف مقارنة بالطرف الآخر، واعتذر لك؛ فسيرى دمعتى.. بل ويجب أن يراها هو والجميع وحتى هؤلاء الذين سكنوا القبور من أجل حريتنا وحياتنا وكرامتنا.
هذه رسالة أتوجه بها قُبيل أيام من حلول ذكرى كربلاء مصر أو هولوكوست رابعة إلى الثوار العاملين في الإعلام والمسؤولين عن توجيه وتشكيل الوعي الثوري.
لدى البعض منهم سذاجة بطعم التفلسف، وفكرة مفادها أن خطاب البكائيات، والمظلومية، ويسمونها "كربلائيات" -نسبة لما تفعله طائفة الشيعة في ذكرى مقتل الإمام الحسين رضى الله عنه- يجب ألا يكون ذلك في إطار الثورة؛ لأن الضعيف المظلوم البَكَّاء لا يصنع ثورة.
خطورة هذا النمط من التفكير تكمن في أن الفرد الذي يظن أنه ثائر هو بالحقيقة يعمل لدى الثورة المضادة والانقلاب، لكن للأسف من دون راتب، بل ويدفع من ماله الخاص!
كثيراً ما تكون المثاليات مجرد خدعة وطُعم يبتلعه السُذج وعديمو المعرفة والدراية بحقيقة المعركة والميدان.
سريعاً، بعد ثورة يناير/كانون الثاني، تعامل الثوار مع العسكر -وهم جزء من المنظومة التي ثاروا عليها- كشريك ثوري تحت فكرة المحافظة على مؤسسات الدولة وخشية انهيارها.
تم العدول عن محاكمة مبارك ثورياً؛ حتى لا يقولوا إنها ثورة همجية غير ملتزمة بالقانون، ولن نستطيع استرداد الأموال المنهوبة من الغرب.
وقد التقيت شخصياً أحد الإخوان التنظيميين قُبيل انتخابات البرلمان بعد حله، وقد قرر عدم انتخاب مرشح "الحرية والعدالة"؛ بحجة أن الرئيس من الإخوان، ويجب أن نختار تيارات أخرى لإحداث توازن في النظام السياسي، وكأن النظام السياسي المصري قد استقر وأمِن التربص العسكري وأمِن نزاهة الطرف الثاني وأصبح في حاجة لإحداث ما سماه "توازناً"، وخرج في مظاهرات ضد مرسي وأسهم في الإعداد لها، في وقت كان الرئيس في أمَس الحاجة لأي دعم شعبي؛ بحجة "حتى لا نصنع ديكتاتوراً جديداً"!
وأنا أشهد على صدقه ووفائه وإخلاصه.. لكنه ساذج أو أحمق.
الأهداف والغايات جميلة، ومثالية، لكن الميدان ليس ميدانها، لا زماناً، ولا مكاناً.
اليوم، أمثال هؤلاء الفلاسفة يريدون من الثورة أن تتنازل عن أكبر وأغلى ثمن دفعته؛ وهو دماء أبنائها الذين قُتلوا وأُحرقوا وهم أحياء على الهواء مباشرة أمام العالم، وجَرَّفت جثثهم الآليات العسكرية؛ بحجة أن هذا خطاب مظلومية لا يسمعه العالم، والناس دائماً ما تكون مع القوي، وليس الضعيف.
إليك نموذجاً من التاريخ الحديث، وبالمصادفة، فذكراه تعقب ذكرى رابعة بيوم واحد وهو يوم ١٥ أغسطس/آب، قتل الألمان ملايين البشر وحتى من عِرقهم؛ لأنهم عجزة أو من الغجر، كما قُتل 200.000 معاق ذهنياً أو جسدياً في برنامج "القتل الرحيم".
إلا أن بضعة آلاف من اليهود استطاعوا أن يجلبوا تعاطف العالم، ويَسنُّوا تشريعات تقدِّس حقهم. ويتلقى الكيان الصهيوني حتى اليوم تعويضات عنها، وكانت ورقة الهولوكوست إحدى أهم دعائم قيام دولة ذلك الكيان.
حتى كربلاء التي يذكرها ساخراً هذا الفيلسوف، أريد منه أن يُوجد الفوارق بين مجزرة فض اعتصام رابعة ومجزرة فض اعتصام الحسين في كربلاء، كلاهما أُمطر بوابل من السهام والرصاص وأُحرقت خيامهم، ومُثِّل بالجثث وقُتل النساء والأطفال. لكن فارقاً واحداً، فقط، بين الميدانين -كربلاء ورابعة- هو أن أهل كربلاء كانوا مسلحين، أما أنت فكنت أعزل، ولولا كربلاء ما كان للعباسيين لا ثورة ولا دولة.
وإليك نماذج أنت عشتها بنفسك، فقد خرجوا عليك يبررون قتلك بدعوى أن مرسي قتل جيكا ومحمد الجندي، وأن مرسي قتل الحسيني أبو ضيف، وأن مرسي قتل جنود رفح، وأن مرسي ظلم الشعب و"خد البنزين وداه غزة"، فهم قتلوا وظلموا واتهموك أنت بالقتل، وصنعوا مظلومية لهم عندك، ليذبحوك بلا رحمة.
بنظرة براغماتية، كيف تقرر التنازل عن أكثر أوراقك ربحية سياسياً (محلياً ودولياً)، وقد لا تملك في تقديري غيرها، فليس لك منافس؟! حتى في تاريخ مصر لم نسمع عن فريق سياسي قدم كل هذه التضحيات أكثر من 10 آلاف شهيد، نصفهم خلال 12 ساعة في مجزرة شاهدها العالم مُصورةً ومُوثقةً، وأكثر من 150 ألف معتقل، وأضعافهم بين طريد وشريد، وعشرات الآلاف من الأيتام والأرامل والمصادرات لأموال وقطع للأرزاق. كيف تخسر هذه الورقة الرابحة؟! وأنت تقول إن لديك مشروعاً سياسياً يحتاج إلى أوراق للعب بها، ومظلوميتك لا تُخطئها عين أعدائك قبل أصدقائك!
كيف تتطوع وتُمزق صفحة تضحياتك التي دخلت بها التاريخ بنفسك وبيدك وتخسرها؟! ومن سيروي لأولادك وأحفادك مِن بعدك حجم ما بذلته من أجل الدين والوطن والحرية والكرامة؟!
أقول لك، ولعلك الآن تُطالع هذه الرسالة من خلال هاتفك: ماذا لو وصلني، أو علمت أنك لن تصرخ وتصيح بين الناس وتستغيث بهم؟ إن سرقتُ منك هاتفك هل ستسكت وتمررها؛ حتى لا يقول عنك الناس: "انضحك عليه واتسرق منه تليفونه"؟ أم يقولون: "ضعيف ما استطاع أن يحمي هاتفه"؟! سأكون في غاية السعادة عندما تفعل معي هذا ولا تفضحني وتنشر عني أني سارق وحرامي سرقت منك هاتفك.
هكذا يا سيدي، القاتل يقدم له ضحاياه هدية وخدمة عندما لا يكون لهم نائح أونائحة ينادي على قاتله والقصاص منه.
حتى خطابك الذي تصفه أو تظنه ثورياً، يحتاج إلى مساندة وظهير من خطاب المظلومية، وإلا فكيف ستُشرعِن وتبرر عملك الثوري ورغبتك في القصاص من القاتل؟ إن لم تكن قد ملأت الدنيا بكاءً ونحيباً وعويلاً على القاتل وعن ظلمه لك، وحقك في القصاص منه.
عمليات المقاومة ضد الظالمين تحتاج إلى أن يتم تسويقها ونشرها إلى جانب معاني العزة والكرامة والشجاعة والإقدام والفداء ومعنى الثأر والمظلومية، يعني حتى خطاب الثورية والثأر يحتاج لشرعية تخرج من رحم المظلومية.
الرسول ﷺ هو القدوة أولاً وأخيراً، عندما تتتبَّع أحداث سيرته، تجد الذكاء والمعرفة، والاحتراف في إدارة الأزمات، والملفات المختلفة، وعلى رأسها الملف الإعلامي.
كيف أدار النبي محمد ﷺ الحملة الإعلامية ضد كفار قريش الظالمين؟ وكيف استثمر خطاب المظلومية في أزمة حصار المسلمين في شِعب أبي طالب؟ وأبرز مشاهد الجوع والعوز والهلكة التي تلحق بالصغار والنساء، واعتمد على المعاني المشتركة كالنجدة والشهامة والمروءة والغوث والقبيلة والعار، وكل المعاني التي تقبِّح فعل قريش مع شِعب أبي طالب، وتستثير شفقة وعطف العرب وأهل الجزيرة، ومن يملك أن يرفع هذا الظلم.
فساهمت هذه الحملة في أن يعمل بعض من تأثروا بها لترجمة التعاطف معهم؛ للعمل من خلال إيصال بعض الأطعمة والمؤن والزاد للمحاصَرين في الشِّعب، ولو أن المشركين علموا بها لقتلوه حتماً؛ لأنهم لم يكونوا ليسمحوا لأحد بخرق الحصار وإمداد المسلمين بالطعام والزاد.
وجذبت الحملة الإعلامية النبوية التي اعتمدت خطاب المظلومية عدداً من المتعاطفين من الكفار أنفسهم، أي إنها اخترقت صفوف العدو، وهو ما يُسمى اليوم "الغزو الثقافي والفكري".
وتُوجت الحملة بتكتيكات إعلامية بدأت بتسريب معلومات سرية خرجت في شكل خبر عاجل من أبي طالب للكفار بأن الأَرضة قد أكلت كل ما في صحيفة المشركين من بنود، ولم يبق فيها إلا اسم الله عز وجل.
وهنا تحرك عدد ممن تأثروا بخطاب المظلومية، من عقلاء قريش، على نقض هذه الصحيفة وهم: هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وزهير بن أبي أمية المخزومي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، والمطعم بن عدي.
سيدي الإعلامي الثوري، أتمنى أن تجعل من يوم 14 أغسطس من كل عام يوماً للحزن والبكاء والكربلائية في كل بيت من بيوت مصر؛ لأنه حقاً يستحق هذا.
وليكن السؤال: هل نحن نتعامل مع كربلائنا انطلاقاً من الماضي للمستقبل؟ أم فقط بكاء على الأطلال؟!
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نعثر على إجابته الصحيحة..
وإجابته الصحيحة: نبكي شهداءنا ونستحضر أرواحهم الطاهرة، ليس لأجل لطم الخدود وشق الجيوب؛ وإنما لأجل معركتنا النبيلة ضد الظلم والطغيان..
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.
المصدر : http://www.huffpostarabi.com/attia-abou-el-ela/-_12932_b_17735808.html?utm_hp_ref=arabi&ir=Arabi
تعبيراتتعبيرات